8/30/2010 الإثنين
سياسية ، عربية ، دولية
السنة السابعة عشرة، العدد 608
الصفحة الرئيسية
لا تضعوا العربة امام الحصان

بقلم: فهد الريماوي

من حدائق البلاغة والطرافة معاً، انبثقت حكمة شعبية المانية تقول : ما فائدة الركض، ما دمت على الطريق الخطأ ؟·
هذه الحكمة البليغة في بساطتها، والبسيطة في بلاغتها، تصلح ان نقدمها هدية تحذيرية مبكرة لحكومة الرفاعي التي يبدو انها قد انطلقت في مشوارها الوزاري من المنطلق الخطأ، وباشرت مسيرتها في الاداء والبناء من النهاية وليس البداية، او من الطوابق والادوار العلوية، وليس القواعد والاسس التحتية·
فالمفروض، وفق كل المقاييس السياسية والادارية المعروفة، ان تتشكل الحكومات تبعاً لرؤية استراتيجية يراد اخراجها الى حيز الواقع، او خطة مركزية يراد ترجمتها الى برامج ومشاريع واجراءات واضحة ومحددة وقابلة للتنفيذ الفوري والميداني بكل كفاءة واقتدار·
المفروض ان تتشكل الحكومة على اساس الخطة الموضوعة او المطلوبة، لا ان تتشكل الحكومة لتبحث لنفسها بعد ذلك عن خطة وهدف ورؤية·· وحتى لو سلمنا جدلاً بجواز التشكيل، لاسباب اضطرارية، قبل العثور على الخطة، فلعل الواجب يقضي - اول ما يقضي - بتأليف هيئة او لجنة عليا تضم كبار المختصين، لتباشر من فورها في صياغة مثل هذه الخطة المركزية المتكاملة التي من شأنها ان تشكل هادياً ومرشداً ودليل عمل للحكومة العتيدة بكامل وزاراتها واداراتها واجهزتها المتنوعة·
من بديهيات علم الادارة، ان الاعداد والتخطيط والتفكير والتنظير مهمات مركزية يختص بها كبار القادة والمفكرين الاداريين، في حين تندرج اعمال التنفيذ والتطبيق والغوص في التفاصيل الميدانية، تحت بند المهمات التكتيكية والجزئية والفرعية والمرحلية التي تناط في العادة بالمدراء ورؤساء الاقسام وعموم الموظفين·
التخطيط الابداعي، او وضع الخطط والتصورات والافكار الاستراتيجية، ليس لعبة او عملية سهلة، بل هو مسألة صعبة ومركبة وتحتاج الى الكثير من الخبرة والمعرفة والخيال الخصب، فليس هناك اصعب من الملاءمة والتوفيق بين اضلاع المثلث الذي تنهض عليه كل الخطط التي تستحق الاحترام·· وتتمثل هذه الاضلاع في (1) الطموحات المراد تحقيقها (2) التحديات المطلوب تذليلها (3) القدرات او الامكانات المتوفرة والمعول عليها·
اما ما كان من امر حكومتنا الرشيدة والجديدة، فهو عكس ذلك على طول الخط، حيث خلطت بين التخطيط والتنفيذ، وقلبت الهرم الاداري ليقف على رأسه بدل قاعدته، واوكلت للوزراء والامناء والمدراء مهمة البرمجة والترسيم والتخطيط، مع ان وظيفتهم الاساسية هي التنفيذ، وتحويل الخطط والافكار والسيناريوهات الى برامج عملية، ومشاريع واجراءات تطبيقية·· على ان يقاس حجم نجاح الوزير او المدير في عمله، بمدى كفاءته في ترجمة هذه الخطط والافكار الى واقع عملي ناجز وملموس·
انظروا كيف تعمل وتفكر حكومتنا بالاتجاه المعاكس، واقرأوا ما جاء الاسبوع الماضي في خبر بثته وكالة بترا الرسمية حرفياً : وبشأن آلية العمل خلال جلستي مجلس الوزراء، اوضح الرفاعي ان كل وزير سيقدم ايجازاً يتضمن تصوراً للمشروعات والبرامج ذات الاولوية القصوى في خطة عمل وزارته والمؤسسات التابعة له لعام 2010 ليتم (وليس تتم) مناقشتها من قبل مجلس الوزراء·
اذن، فالمطلوب من الوزراء هو التصور وليس التصرف·· التخطيط وليس التنفيذ·· الانشاء وليس الاداء، ومن هنا يصبح من حق الكاتب او المراقب ان يتساءل بالكثير من البراءة وحسن النية : كيف يمكن لوزير طازج جلس فوق مقعده الوزاري منذ اسبوعين او ثلاثة، ولم يسبق له العمل اصلاً في السلك الحكومي او حتى الوظيفة العامة، ان يخترع خطة جامعة ومانعة وقمينة باستنهاض وزارته على جناح السرعة، وتطويرها بكيفية شمولية وديناميكية غير مسبوقة، وتحقيق اقصى درجات التنسيق والوئام والانسجام بينها وبين باقي الوزارات والاجهزة والادارات والمؤسسات العامة الاخرى ؟؟
اما الوزراء المخضرمون الذين تحدروا من حكومة الذهبي للحكومة الحاضرة، فلا ضرورة ولا اهمية لاي تساؤل بخصوص كفاءتهم التخطيطية والتنفيذية، نظراً لانها قد تعرضت للتجربة والاختبار طوال عامين من عمر حكومة الذهبي، كما عبرت عن ذاتها في هيئة انجازات محدودة ومتواضعة اضطرت معها الحكومة الرفاعية الى البحث عن خطط وبرامج وعزائم استنهاضية جديدة بهدف التدارك والتعويض·· ولعلنا لا نذيع سراً اذا قلنا ان بعضاً من هؤلاء الوزراء الموروثين كانوا مرشحين لمغادرة حكومة الذهبي عند اقرب تعديل·
وعليه·· فاغلب الظن - يا سادة يا كرام - ان الوزراء المكلفين بابتكار الخطط والاجتهادات النوعية العتيدة، سوف يعهدون بهذه المهمة الى الامناء العامين لوزاراتهم، باعتبارهم الاوسع معرفة والاكثر الماماً بمشاكل الوزارات واحتياجاتها وطموحاتها، غير ان هؤلاء الامناء الذين لا ناقة لهم ولا جمل سوف يحيلون هذا العبء الى المستشارين ومدراء الدوائر الذين سوف يحيلونه بدورهم الى رؤساء الاقسام الذين سوف يخرجون علينا آخر الامر بلوائح وطروحات ساذجة ومسطحة وتقريرية، لا تختلف كثيراً عن مدونة السلوك بين الحكومة والاعلام، السيئة الصيت والسمعة·
من هنا جاء تحذيرنا للحكومة في مطلع هذا المقال، من مغبة السير على الطريق الخطأ، او وضع العربة امام الحصان، او تقديم المضاف على المضاف اليه·· منطلقين في ذلك - يشهد الله - من رغبتنا الشديدة والاكيدة في تجنيب هذه الحكومة مواطن الفشل والخطل والزلل، ليس لاننا مغرمون بها او بسابقتها او لاحقتها ابداً، ولكن لاننا نشفق على مواطنينا الغلابى الذين سوف يدفعون وحدهم ثمن هذا الفشل، ويتحملون وحدهم عبء التجارب الخائبة والسياسات المرتجلة·· بينما يخرج الرؤساء والوزراء من كل الازمات والتبعات كما تخرج الشعرة من العجين، حيث لا محاسبة لهم، ولا مساءلة، ولا حتى ادنى انتقاص من رواتبهم او تقاعداتهم او امتيازاتهم الهائلة، سواءً اخطأوا او اصابوا·· انجزوا او عجزوا·· اخرجوا الزير من البير، او اساءوا التقدير والتدبير·
رحم الله ايام زمان، حين كان للحكومات عناوينها ومضامينها وشخصياتها الواضحة، واهدافها المركزية والمرسومة سلفاً منذ لحظة التشكيل·· فعندما يشكل الحكومة وصفي التل، نعرف مسبقاً ان الهوى سعودي والخصومة ناصرية، وعندما يشكلها بهجت التلهوني، ندرك على الفور ان القادم هو العكس، وعندما يشكلها زيد الرفاعي، نقرأ المكتوب من عنوانه، ونجزم ان الشام هي الهدف، حتى اذا ما شكلها مضر بدران او احمد عبيدات، توقعنا ببساطة وبدون تردد ان بغداد هي الغاية والنهاية·
اما الموديلات الحكومية الحديثة، فهي ليست اكثر من حكومات تصريف اعمال متشابهة وملتبسة، فلا تسبقها ال التعريف، ولا تميزها هوية وطنية، ولا تواكبها ولاية دستورية، ولا تصاحبها رؤية شمولية، ولا تحكمها ثوابت سياسية، اللهم الا الالتزام بالتحالف الاستراتيجي مع امريكا، وبالمعاهدة المشؤومة في وادي عربة !!

الحيز الشخصي·· قرين سري للانسان

الطبيعة كتبت قوانينها بلغة رياضية
                                          (غاليلي)
الحيز الشخصي، اطار من الفراغ يحيط بجسد الانسان، ويشكل ملحقاً مكملاً له، ومجالاً حيوياً لراحته·
الحيز الجسدي، طوق وهمي يتحصن الجسد داخله تلقائياً، للحفاظ على الخصوصية، والحيلولة دون التداخل مع الحيزات الشخصية للآخرين·
الحيز الشخصي، حلقة افتراضية يتوسطها الجسد، ويخالها ضرورية لاستقلاليته وبحبوحته وسعة نفوذه، شأنها شأن التهوية المعمول بها بين المباني، والمتحققة من خلال المساحات الارتدادية·
الحيز الشخصي، هالة خفية ودائرية من الموجات والاشارات والذبذبات والومضات الكهربائية والمغناطيسية واللاسلكية التي يطلقها الجسد بطبيعة تكوينه، ويحرص على ارسالها بحرية ودون اي اختناق او اختراق·
كلنا نسارع عفوياً ولا ارادياً، الى وضع مسافة بيننا وبين الآخرين، سواءً من نجالسهم قعوداً، او نحادثهم وقوفاً، او نماشيهم على الطرقات·
كلنا نضيق ذرعاً بالازدحام، وننفر بشدة من الاصطفاف في الطوابير، ونشعر بما يشبه الغثيان والاختناق في الزنازن والاماكن الضيقة، ونبتعد بسرعة عند ادنى تلامس او احتكاك بين اجسادنا واجساد الآخرين·
الكثيرون منا يتوهمون ان كل ذلك يعود لاسباب نفسية او مزاجية او صحية، ربما تجنباً للعدوى من الغير، او لرائحة فمه وعرقه، او للرذاذ المتطاير مع كلماته·· ولكن كل هذه المبررات والاسباب - على اهميتها - ليست هي الجوهر والاساس، بل هناك ما هو اهم واعظم، ونعني به الحيز الشخصي (sonal spaceper) الذي يحكم مسافة الاقتراب من، او الابتعاد عن الآخر·· ومن هنا جاء قول نيوتن : نحن نبني فيما بيننا القليل من الجسور، والكثير من الجدران·
ومن الثابت بالفعل والمسلك ان مراعاة الحيز الشخصي تعتبر شرطاً مهماً من شروط التفاعل الاجتماعي بين الناس، ومفتاحاً ضرورياً لفتح قلوبهم واطلاق ألسنتهم بالحديث بكل حرية واريحية، خلافاً لما يكون عليه الحال لدى انتهاك هذا الحيز الشخصي للناس الذين سرعان ما يشعرون بالضيق والامتعاض، ويعمدون من فورهم الى التباعد عن الآخرين، او مطالبة الآخرين بالتباعد، حتى لو ادى ذلك الى الاستياء، وتخفيف وتيرة التفاعل او التفاهم الاجتماعي فيما بينهم·
ورغم ان الحيز الشخصي ملموس فعلياً، ومعروف علمياً، الا انه مازال على الصعيد القانوني والاجتماعي هامشاً  نظرياً وافتراضياً لم تتطرق الانظمة والقوانين الوضعية الى تنظيمه وتحديده والحفاظ على حرمته·· تاركة كل ذلك للعادات واللياقات والاجتهادات الخاصة التي تختلف بين شخص وآخر، او بين دولة واخرى·· ففي الشرق المعروف بكثافة السكان، ودفء علاقات القرابة والصداقة، يتقلص مقياس الحيز الشخصي، اما في الغرب الموصوف بالتقدم الثقافي، والتفكك الاسري والبرود الاجتماعي، فالحاصل هو العكس·
لقد اهتم اكثر من عالم نفسي واجتماعي بظاهرة الحيز الجسدي، وانكبوا على دراستها ومحاولة فهمها والاحاطة بها·· وها هو ارنست هارتمان يتحدث باستفاضة في كتابه الحدود في العقل عن هذه الظاهرة الانسانية الملموسة رغم وضعها المجرد وغير المجسد، (شأن الضوء والهواء والجاذبية الارضية والحقول المغناطيسية)·· حيث يفرّق هذا العالم النفسي بين اتساعات الحيز الشخصي وحدوده لدى البشر، ويقول ان الاشخاص العفويين والمنفتحين وغير المنظمين يكتفون بحيز شخصي رقيق، بينما يصر الاشخاص الجادون والمتحفظون والمنظمون على حيز سميك، ليس على الصعيد الشخصي فحسب، بل وفي العالم الخارجي ايضاً، سواء بين الدول، او حتى داخل المنازل التي يملأونها بالجدران والحوائط الفاصلة·
اما عالم النفس هال باشلار، فقد كان اكثر تعريفاً وتوصيفاً وتحديداً للحيز الشخصي من زميله هارتمان·· ذلك لانه قد اجتهد لتصنيف انواع الحيز الشخصي، والمساحات المطلوبة والملائمة لكل نوع، وفقاً لخارطة من المقاييس والمعايير والاعتبارات المتداخلة والمفهرسة على النحو التالي··
1 - المسافة الحميمة، وهي تتراوح ما بين 64 - 15 سم، وتعتبر ادق مسافات الحيز الشخصي التي يتعين الحرص عليها كما لو انها قطعة من الجسد ذاته، ولا يسمح لاحد باقتحامها الا اذا كان على درجة قرابة قوية، كالازواج والابناء والاصدقاء المقربين، او في حال الضرورة مثل اعمال المساعدة والانقاذ·
2 - المسافة الشخصية، وهي تتراوح ما بين 64 - 22،1 سم، ويفترض في كل الاحوال الا تقل عن طول ذراع الانسان، ولا يدخلها الا الاصدقاء والمعارف الموثوقون، او في حال الاعراس والحفلات والمناسبات الجماعية الحميمة وغير الرسمية·
3 - المسافة الاجتماعية، وهي تتراوح ما بين 22،1 - 6،3 م، ويسمح بدخولها للغرباء والزملاء في مجالات العمل، وخلال الاجتماعات الرسمية، وكثيراً ما تجري المحادثات فيها بصوت عالٍ، ولجوء بعض المدراء للتحصن خلف المكاتب الضخمة، حفاظاً على هذه المسافة الاجتماعية·
4 - المسافة العامة، وهي تزيد عن 6،3 م وتتجلى بوضوح في الاجواء والمجالات الجماهيرية، والندوات والمحاضرات العمومية، حيث يفترض ان يقف المتحدث بعيداً عن الجمهور الذي يخاطبه، ويستخدم مكبرات الصوت للوصول الى مسامعه·
ولكن كيف يمكنك الحفاظ على الحيز الشخصي، دون سند قانوني او وثائق ملكية تثبت حقك في هذا الحيز ؟؟
الخبراء هنا يقتدون - ربما - بقول الرسام بيكاسو : كل شيء يمكنك ان تتخيله، فهو حقيقي بالنسبة لك، فهم يقولون ان الحرص على هذا الحيز مسألة مشتركة وتبادلية، فبقدر حرصك على حيزك يحرص الآخرون على حيزاتهم، وكما تنفر منهم لدى اقترابهم اكثر من المسموح، فانهم ينفرون منك اذا فعلت الشيء ذاته، ومثلما تشعر بالراحة والخصوصية والاستقلالية عندما يتوفر لك الحيز الشخصي المناسب، فانهم يشعرون بنفس الاحاسيس عندما يتوفر لهم التعامل بالمثل، والتبادل المتكافئ·
اما في الاحوال الاستثنائية والاضطرارية التي تتعذر فيها امكانية التمسك بالحيز الشخصي والجسدي، شأن الازدحام في الطوابير والمصاعد والحافلات والقطارات والطائرات، فهناك عدد من التوجيهات والارشادات التي يقدمها لك خبراء السلوك، لمساعدتك في التخفيف النفسي والمعنوي من هذا الوضع الطارئ والضاغط، ابرزها·· التزام السكون والتقليل من الحركة، بهدف تجنب الاحتكاك والتلامس الجسدي·· اتخاذ هيئة جادة ووجه جامد وغير معبر، مع مراقبة خفية لما يدور حولك·· تجنب الحديث مع المحيطين بك ان كانوا غرباء، بل حتى تجنب التقاء نظرتك بنظرات عيونهم·· محاولة التشاغل وصرف الانتباه عن الآخرين، من خلال المطالعة في كتاب او صحيفة او حتى المتابعة لارقام طوابق المصاعد ومحطات القطارات·
وعليه·· فالثابت علمياً وعملياً ان الحيز الشخصي حق طبيعي مكتسب ومضاف لجسد الانسان، رغم انه تجريدي وافتراضي وغير مجسد في صيغة وجودية منظورة·· وهو عنصر فاعل ومؤثر في التفاعل الاجتماعي سلباً وايجاباً، رغم انه مازال محكوماً بالاعراف والعادات واللياقات السلوكية، ولم يحظ بالدرجة القانونية بعد·· وهو طوق او اطار سري يحيط بالانسان ليل نهار، ولكن اغلب الناس لا يعلمون·· وقديماً قال الجاحظ : من جهل شيئاً·· عاداه·



Copyrights © 2003 - 2010 Almajd Newspaper
Developed by: Enterprise Solutions