8/30/2010 الإثنين
سياسية ، عربية ، دولية
السنة السابعة عشرة، العدد 608
الصفحة الرئيسية
السقوط والاسقاط·· الجنسي والتجسسي

بقلم: فهد الريماوي

ليس بعد الكفر ذنب، وليس بعد الخيانة خطيئة، فالخيانة اعلى درجات الخطيئة، بل هي ام كل الخطايا والبلايا والعيوب والذنوب، ولم يكن مقدراً منذ البداية للذين خانوا القضية في اوسلو، وفرطوا بثلاثة ارباع الوطن حتى قبل ان يجدّ الجد ويصيح الديك، الا ان يصلوا الى الافلاس، وينحدروا الى الدرك الاسفل من العار والعهر والفضيحة·· فضيحة مشاركة الموساد في اغتيال الشهيد المبحوح، وفضيحة الجنس والتعري على شاشات الفضائيات، وفضيحة بيع الاسمنت المدعوم لمن شيدوا الجدار العنصري المكرس لخنق القدس وباقي ارجاء الضفة·
ليس بمستغرب من الذين شبوا على شيء ان يشيبوا عليه، ومن الذين فرطوا في البداية ان يتورطوا في النهاية، ومن الذين استمرأوا نتن الفساد ان يبادروا لخدمة الموساد، ومن الذين تبرعوا للعدو بثلاثة ارباع فلسطين ان يتطوعوا لملاحقة الاحرار والمجاهدين، ومن الذين اكتسبوا مواقعهم القيادية بفعل الصهاينة والامريكان ان يضعوا انفسهم قيد العمالة الدائمة وتحت تصرف الشيطان·
ويل لهم لانهم سُبة في جبين هذا الوطن المقدس، وعار بين ظهراني هذا الشعب المناضل، ومخزاه وسط جموع هذه الامة العريقة، حيث لم تبق جريمة الا ارتكبوها، او موبقة الا اقترفوها، او رذيلة الا مارسوها، او فاحشة الا طلبوها، او خطيئة الا استعذبوها، او نقيصة الا هرولوا اليها، او مثلبة الا تكالبوا عليها، او شائنة الا تمرغوا فيها، او دنية الا تشبثوا بها وتشبعوا باحط مستوياتها·
تعجز اللغة عن تصوير نذالتهم، وتضيق الابجدية عن الاحاطة بسفالتهم، وتقصر وكالات الانباء عن ملاحقة مسلسلات عمالتهم·· ذلك لانهم جاوزوا كل حد، وخرجوا على كل منطق، وانقلبوا على كل القيم، وارتدوا عن كل المبادئ، وقفزوا فوق كل علامات التعجب، وتواصوا بالسطو وتواصوا بالشر، فنقلوا بندقيتهم الى الكتف الصهيوني، واعلنوا قبلتهم صوب البيت الابيض، وادمنوا صلاة الجماعة خلف الجنرال دايتون، وانخرطوا في ركب الردة العربي الذي ابتدأ بانور السادات، ثم ما لبث ان تناسل وتواصل حتى شمل الكثير من القيادات والزعامات·
وما دام ذلك كذلك، فلا بديل عن البراءة من المشركين، ولا مفر من الافتراق عن الخائنين، ولا مجال لمحاورتهم ومشاورتهم ومجالستهم تحت كل الظروف، ولا محيص عن تأثيمهم وتجريمهم ووضعهم في موضع الادانة القاطعة والقضاء المبرم، توطئة لايقاع اكبر العقاب بهم بوصفهم قتلة وسفلة ومفسدين في الارض، ومفرطين بالحقوق الوطنية، ومتآمرين على قوى المقاومة والجهاد، وسادرين في تخريب الصفوف الشعبية، ومحاربة الروح المعنوية، واجهاض الارادة القتالية، ونشر ثقافة الاستسلام والانهزام والاحباط والزبونية والانتهازية·
لقد أمنوا الانتقام فباعوا الوطن، وضمنوا السلامة فخانوا الامانة، واحتموا بالاحتلال فاستهانوا بالشعب، واستقووا بالامريكان فتناسوا مخافة الله، واغتنوا باموال الدول المانحة فتحكموا في البلاد ورقاب العباد، وتحالفوا مع سلاطين الرجعية النفطية والفرعونية ذات الجدران الفولاذية، فتغولوا على قوى المقاومة، وصادروا حقها في الكفاح المسلح، بل اعلنوا دون خجل او وجل ان عملياتها "قذرة"، وان صواريخها "عبثية"، وان شهداءها "ارهابيون"، وان زعماءها "خمينيون" يحتطبون في حبال بني فارس·
حقاً·· من أمن العقوبة ساء الادب، فلو علم هؤلاء العباسيون المتصهينون ان المجاهدين لهم بالمرصاد، وان الرصاصة هي الحل، وان الشعب يمهل ولا يهمل، لما تجرأوا على فعل الخيانة، ولما استهانوا بالرأي العام الفلسطيني والعربي، ولما التحقوا بصفوف الاعداء وتعلقوا بالاجندات الصهيونية والصليبية، ولما اقدموا على انتهاك حرمة الارض والعرض، وافشاء موبقات السلب والنهب والتخريب والتهريب والاغتصاب، ضمن مخطط جهنمي مرسوم سلفاً يستهدف استئصال الروح الوطنية والمعنوية للشعب الفلسطيني، وتحويله الى مزق وشراذم وجماعات مهزومة وهائمة على وجهها بلا هوية او قضية او بندقية·
آه ما اغرب واعجب هذا الواقع العربي، وما ابعده عن العقل والمنطق وروح العصر·· آه ما افدح واقبح ما اوقعت فيه القوى اليهودية والصليبية من تشويهات واختراقات و"تلبيس طواقي" وتبديل اقنعة وقناعات، حتى تبدى السراب ماءً، وتراءى الشر خيراً، وتوارث الجبناء والعملاء اشرف الثورات والمنظمات، فورث انور السادات ثورة 23 يوليو الناصرية، وورث محمود عباس منظمة التحرير الفلسطينية، وورث النوري المالكي ثورة تموز العراقية، فيما نجح معمر القذافي في وراثة نفسه، ولكن عبر الشروط الامريكية المتمثلة في رفع اعلام الافرقة على اطلال القومية العربية·
آه ما ابشع وافظع هذا الواقع العربي الذي يبدو انه قد ارتوى من نهر الجنون، وشبع من قمح العبث واللا معقول·· فهو الذي وضع الجماهير العربية قيد الغيبوبة والغياب، وخارج معادلات الفعل والفاعلية·· وهو الذي مكّن للسفهاء والجهلاء والرعيان قيادة الامة العربية، وتدبيج المبادرات الاستسلامية، وتعميق التبعية للمراكز الامبريالية·· وهو الذي اتاح لسماسرة البزنس والمال والاعمال تمويل الوسائل الاعلامية، وتصدر المحافل الثقافية، وتقييم المواهب الادبية والفنية من خلال التحكم في الجوائز الابداعية·· وهو الذي ضاق ذرعاً بالنجباء والشرفاء، فابعدهم عن كل دور، وحاصرهم من كل جانب، وخذلهم على كل صعيد، وسربلهم باغلال الوحدة والعزلة حتى باتوا غرباء في اوطانهم، وملاحقين في افكارهم، ومستضعفين في الارض·
آه ما اقبح هذا التردي، وافدح هذا التداعي والتهاوي في الواقع الفلسطيني الذي انحدر بما يفوق الخيال، وتهافت ذات اليمين وذات الشمال، وأحال زمراً كثيرة من الثوار الى سماسرة وتجار، ومن رفاق الشهداء الى جواسيس وعملاء، ومن ابناء الشتات والمخيمات الى جلاوزة سجون ومعتقلات، ومن سواد المظلومين والمقهورين الى ظالمين لقضيتهم ومستكبرين على غلابى شعبهم·· فكيف - بالله عليكم - انقلبت الضحية الى جلاد، وانتحرت الثورة على مذبح الفساد، وانهزمت الوطنية امام المطامع الانانية، وضاع حق العودة تحت وحل الردة، واقتدى المشردون والمقموعون، حين امتلكوا وهم السلطة، بمن ساموهم سوء العذاب ؟؟
من هنا تنبع ازمة الشعب الفلسطيني الذي تعتق في النضال مئة عام، فهو يرفض ان تقوده هذه الحثالات العميلة والدخيلة والمستندة الى حراب الاحتلال، ولكنه، شأن كل الشعوب العربية، غير قادر على تغييرها·· وهو يشجب فسادها وفجورها ومخازيها، ولكنه لا يقوى على اصلاحها وتقويمها، لانها غير قابلة للاستقامة والاصلاح·· وهو يدرك انها مفروضة عليه، ومكرسة للتنازل عن حقوقه، ولكنه عاجز عن منعها او ردعها، لانها انهكته ومزقته ودوخته واستنزفت قواه وشتتت رؤاه·
غير ان دوام هذا الحال من المحال، ولن يلبث الخائنون الا قليلاً، فهم يعبثون باقدس قضية، وهم يستبدون باشرس شعب، وهم يستفزون حتى الجماد، وهم يتوغلون في المناطق المحرمة تارة بالسقوط السياسي وتارة بالاسقاط الجنسي، وهم يقدمون يومياً كل الدواعي والمبررات التي تدفع بالثورة عليهم، والانتقام منهم، والمبادرة الى محاسبتهم ومعاقبتهم ايما حساب وعقاب·· وان غداً لناظره قريب !!

فن تدوير الزوايا وادارة الازمات

ليس الصعود فقط يحتاج الى سلالم، بل النزول ايضاً
                                              (اوسكار وايلد)

الازمة، صخرة ثقيلة معلقة فوق الرؤوس بحبل نحيل·
الازمة، مشكلة ضاغطة ومتفاقمة ومرشحة للخروج عن السيطرة·
الازمة، كرة من اللهب، ولكنها تكبر وتعظم وفقاً لقانون كرة الثلج·
الازمة، دوامة من المصاعب والمخاطر والتحديات والتهديدات التي من شأنها تعسير صناعة القرار، وتضييق مساحة الاختيار·
الاصل ان يجهد المرء لحل الازمات المحدقة به، وتفريج الاشكاليات القائمة امامه، وتذليل العقبات التي تعترض دربه، واجتراح المخارج والنهايات المناسبة للمآزق والمتاعب التي تواجهه·· ولكن كثيراً ما تقل القدرة عن الرغبة، ويغيب مفتاح الحل عن قفل المشكلة، وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فهناك الكثير مما جدّوا فما وجدوا، وزرعوا فما حصدوا، وكدحوا فما نجحوا، واستماتوا في طلب العلا، غير ان الحظ عاكسهم، والاقدار خذلتهم، وصح فيهم قول المتنبي··
اذا المقاديرُ لم تقبل تدافعنا
على بلوغ المنى لم تنفع الهممُ
من هنا يتعين على المرء التدرب على "فعل الضرورة" وهو الفعل الاجباري والاضطراري، والالمام بفن تدوير الزوايا الحادة والمتسببة في الارباك والاحتكاك، والاحاطة بعلم ادارة الازمات التي يتعذر حلها ويتعسر حسمها، جراء اتساع الفارق بين هوجائية هذه الازمات، ومحدودية الكوابح والنواظم اللازمة للتحكم فيها، والسيطرة عليها، والقبض على اعنتها·
ولعل المهارة في ادارة الازمات، والحد من اخطارها واضرارها، لا تقل كثيراً عن المهارة في قهر تلك الازمات وحسمها جذرياً ونهائياً·· فالحصار هو البديل عن الانتصار، والدفاع هو العوض عن الهجوم، وما لا يُدرك جله لا يُترك كله، وما لا يمكن قمعه ومنعه لا يجوز التوقف عن لجمه واحتوائه والالتفاف عليه، فقد جاء في "قانون فعل الازمات" ان الازمة التي لا تجد من يديرها، لا تتوقف عن فعلها، وانما تواصل دورانها على هواها بتأثير آلياتها الذاتية·
وبالنظر الى اهمية ادارة الازمات، ودورها في حفظ التوازن ومنع التفاقم والحيلولة دون تحول الازمة الى كارثة، فقد عكف الكثير من علماء الادارة، وخبراء السياسة، واطباء علم النفس على وضع الاسس العملية والتصورات النظرية لفن وعلم ادارة الازمات على مختلف المستويات الفردية والمؤسسية والجماعية·· السياسية والاقتصادية والعسكرية، حيث يعتبر كتاب "كافة المخاطر" للخبير الاداري جيري سيكيتش من ابرز المؤلفات الخاصة بهذا الشأن، وبالذات حين يؤكد "ان الاختبار الحقيقي لاية ادارة، يتمثل في موقفها حيال الازمات"، وفي استناده - ربما - للحكمة الادارية القائلة : "ان الفشل في التخطيط يقود الى التخطيط للفشل"·
ورغم تعدد معاني ومفاهيم علم ادارة الازمات، الا ان التعريف الاوفى له، انه علم ادارة التوازنات، والتكيف مع المتغيرات، والتغلب على المفاجآت، والتقليل من خسائرها وسلبياتها بأقل قدر ممكن، وبأقصى سرعة متاحة، تمهيداً لاستعادة السيطرة، واستلام زمام المبادرة، ووضع الخطط الكفيلة بعدم التجدد والتوالد·· غير ان مجلة تايم الامريكية ارتأت ان تقدم تعريفاً مكثفاً ومختصراً لهذا العلم، فقالت "انه نمط إبداعي في التعامل مع الكوارث يقوم به فريق من الاستشاريين المختصين"·
اما وسائل ادارة الازمات، واساليب التعامل معها، فهي متعددة وليست موحدة·· متحركة وليست ثابتة·· متجددة وليست جامدة، فكثيراً ما يتم انكار الازمة والتعتيم عليها الى حين التمكن منها، والامساك بتلابيبها، وكثيراً ما يجري تبخيس الازمة والتقليل من شأنها، بدل انكارها بشكل مطلق، وكثيراً ما يتم تنفيس الازمة، والحيلولة دون انفجارها وتعاظم دمارها، وكثيراً ما يجري تفريغ الازمة من خلال توفير مسارب ومسارات بديلة ومتعددة امام قوة الدفع الرئيسية للازمة، وكثيراً ما يكون "اخر الدواء الكي"، وهو ما يعني تصعيد الازمة الى اقصى حدودها، لكي يسهل فيما بعد تفجيرها من داخلها، مع ما يرافق ذلك من مخاطر ومحاذير وشيء من المغامرة·· وفي هذا المعنى يقول ماوتسي تونج : "كلما كانت الامور اسوأ، كانت الحلول اقرب"·
وليس من شك ان ادارة الازمات تحتاج الى الاكفاء من الرجال المتصفين بالذكاء والحكمة من جهة، وبالشجاعة والاقدام من جهة اخرى·· ذلك لان استيعاب علوم ادارة الازمات يقتضي الوفرة في الذكاء، والقدرة على الخيال المبدع، فيما تتطلب اعمال المبادرة والمثابرة والمجازفة المحسوبة، التحلي بالكثير من الشجاعة والارادة والمسؤولية وقوة الاعصاب، انطلاقاً من ان نهج ادارة الازمات ينتمي على وجه العموم الى ذات العائلة المنهجية في ادارة المعارك والصراعات، ولكن بتكتيكات فنية واستيعابية وغير صراعية، وباسلحة ناعمة ونوعية وغير دموية، وبتصورات خلاقة وابداعية قادرة على استنباط الخطط الملائمة، واشتقاق المعالجات المناسبة حتى من قلب الازمات نفسها، وتبعاً لمستجداتها وتطوراتها اولاً باول، ومرحلة بعد اخرى·· وعلى هذا جاء قول توني روبنز : "ليس المهم ان تفعل ما تعرف، بل المهم ان تعرف ما تفعل"·
وعليه·· وحتى لا نطيل، يمكن تلخيص الخطوات او الاجراءات التقريبية والعمومية لادارة الازمات كما يلي··
1 - الاستماتة في محاصرة الازمة وتطويقها بكل الوسائل المتاحة، وذلك لمنعها من الاشتداد والامتداد·
2 - المباشرة في الذهاب فوراً الى جذور الازمة واسبابها، بهدف محاربتها هناك عند المنبع والمنشأ، ناهيك عن الذهاب ايضاً وفي نفس الوقت الى مفاعيل الازمة وتأثيراتها وافرازاتها، بغية الحد منها، والتخفيف من غلوائها عند المصب والمنتهى·
3 - الاقدام على مهاجمة نقاط ضعف الازمة وجوانبها الهشة، مقابل الاكتفاٌّء بوضعية صمودية ودفاعية حيال نقاط قوتها ومسارب اندفاعها وعنفوانها، وبما يضمن عدم مناطحتها او مواجهتها بشكل سافر، او وجهاً لوجه·
4 - التعاون الوثيق مع الاعلام، بوصفه سلاحاً تعبوياً بالغ التأثير في معترك ادارة الازمات، ورفع المعنويات، وتبديد الشائعات، سواء عن طريق التعتيم او التضخيم·· الدفاع او الهجوم·· التعبئة والتحشيد او التهدئة والتفريغ·· الخ·
5 - الصبر وطول النفس وهدوء الاعصاب، والمناورة على قاعدة التحفز والمثابرة والمتابعة اليقظة لمجمل تطورات الازمة وتعقيداتها، بغرض التعامل معها فوراً ودون ابطاء، والعمل على استنزافها كلما امكن ذلك، والمسارعة الى التبريد كلما اتجهت نحو المزيد من التعقيد والتصعيد·
بقيت حيثية قد تبدو ملتبسة في هذا الموضوع، وهي الفرق بين "ادارة الازمات" و"الادارة بالازمات" وهو فرق نوعي وكبير، فادارة الازمات هي ما تحدثنا عنه آنفاً، فيما تعني الادارة بالازمات تسخين المسائل او القضايا المراد ادارتها، ودفعها عمداً نحو التأزم والتفاقم، بهدف تسهيل حلها من خلال الطرق والحديد ساخن، شأن ما كان يفعل هنري كيسنجر، وزير الخارجية الامريكي السابق، واستاذ استراتيجية "الادارة بالازمات" في العالم، ولا ضرورة للتفصيل·



Copyrights © 2003 - 2010 Almajd Newspaper
Developed by: Enterprise Solutions