4/14/2014 الإثنين
سياسية ، عربية ، دولية
السنة العشرون، العدد 689
الصفحة الرئيسية
الدور الريادي للمسيحية العربية

بقلم: فهد الريماوي

على اديم زمن ملتبس وخلافي افترق فيه المبنى عن المعنى، والعنوان عن المضمون، والفعل عن الفاعل، والمبتدأ عن الخبر، والنعت عن المنعوت، تجهد المسيحية العربية لاعادة تعريف نفسها، وتظهير خطابها السياسي، وبلورة فهمها للواقع العربي السائد، واسترجاع دورها الوطني والقومي القديم·
وفيما تتقاطر بعض القيادات الاسلامية للتطبيع مع العدو الصهيوني بذريعة الصلاة في الاقصى الاسير، وتتدافع جماعات الاسلام السياسي على ابواب لندن وباريس وواشنطن لتقديم اوراق الاعتماد، وشهادات حسن السير والسلوك، وضمانات الحفاظ على معاهدات الصلح مع العدو·· تنأى القيادات المسيحية العربية بنفسها عن هذا العبث والتهافت والهرولة المقيتة، وتعلن موقفها الحازم في رفض اي صلح او سلام مع العدو قبل اقرار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وجلاء هذا العدو عن كل شبر عربي محتل·
كم هو لافت للنظر، وباعث على التأمل، ذلك الفارق النوعي الهائل بين موقف البابا القبطي المرحوم شنودة الذي رفض، على امتداد اربعين عاماً، السماح للاقباط بزيارة الاماكن المسيحية في القدس المحتلة ما دامت محتلة، وبين موقف الشيخ علي جمعة، مفتي الديار المصرية، الذي اتخذ الصلاة المباركة في الاقصى وسيلة للتطبيع الشنيع مع الغاصب اليهودي الذي يتحين اقرب الفرص لتدمير هذا المسجد العتيق·
كم هو لافت للنظر، وباعث على المقارنة، ذلك الفارق السياسي والاخلاقي الواسع بين موقف الشيخ يوسف القرضاوي الذي افتى بقتل امرئ مسلم اسمه معمر القذافي دون محاكمة، واحل الاستقواء بحلف الناتو لتدمير ليبيا وسوريا، وبين موقف البطريرك الماروني اللبناني، بشارة الراعي الذي ادان اي تدخل اجنبي في الشؤون الداخلية العربية، واشاد بالنهج الاصلاحي الذي باشرته القيادة السورية منذ اكثر من سنة·
قبل عقد من الزمان، توقف الكثير من ابناء امتنا العربية امام مفارقة مثيرة للدهشة تمثلت في قيام خادم الحرمين الذي كان ولياً للعهد آنذاك، بطرح مبادرته السياسية المعروفة على مؤتمر قمة بيروت عام 2002 خلواً من حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، ولكن الرئيس اللبناني الماروني، اميل لحود الذي ترأس تلك القمة، رأى في تلك المبادرة انحيازاً لاسرائيل، ورفض بكل اصرار بحثها او مناقشتها، قبل اضافة بند "حق العودة" الى مسودتها·· وهكذا كان·
ربما يطول حديث المقارنة بين ثبات معظم القيادات الروحية والسياسية المسيحية، من امثال المطران هيلاريون كبوجي، والمطران عطا الله حنا، والعماد ميشال عون، وبين تنازلات بعض قادة الاسلام السياسي، من امثال راشد الغنوشي، وسعد الكتاتني، وعلي البيانوني، ومصطفى عبد الجليل الذين فاجأوا الرأي العام العربي بتنازلات للعدو الصهيوني، ومساومات مع دول الاستعمار الامريكي والاوروبي والعثماني لم تكن تخطر على بال، او ترد حتى ولو في الخيال·
شتان بين خطاب المسيحية العربية المتفهم للظروف الراهنة، والمتصف بالروية والاعتدال وبعد النظر، والمحكوم بذهنية توفيقية وتنويرية وتقدمية، وبين خطاب جمع غفير من المنابر والاقلام والفضائيات المحسوبة على الاسلاميين التي تتبارى في التحريض والتحشيد والتصعيد والتكفير والتنابز بالمذاهب والطوائف والملل والنحل وكل ما يفرق ولا يوفق، ويبدد ولا يوحد، ويؤجج نيران الفتن بدل اطفاء بؤر التوتر، واصلاح ذات البين·
وليس خافياً على احد ان هذا الشطط في خطاب جملة من الحركات والجماعات الاسلامية سوف يقود حتماً، ليس الى مباعدة اسلامية - مسيحية داخل الوطن العربي فحسب، بل ايضاً الى انقسامات وافتراقات متعددة داخل الصف الاسلامي ذاته، والى صراعات دامية وحامية وطويلة المدى بين السنة والشيعة بشكل خاص، وبين الاسلاميين المعتدلين والمتطرفين بشكل عام·
ولعل الغريب العجيب في هذا الخصوص، ان الجماعات الاسلامية التي ابتلعت فريضة الجهاد ضد العدو الصهيوني، وتعهدت بين يدي واشنطن باحترام اتفاقيات الصلح والتطبيع مع هذا العدو، وشدت الرحال مراراً وتكراراً الى عواصم الاستعمار ومراكز حلف الناتو، قد قلبت ظهر المجن لايران وحزب الله والطائفة الشيعية عموماً، وحرضت على ممارسة الارهاب الاسود ضد القلعة السورية الصامدة في وجه سائر المخططات الصهيونية والمشاريع التصفوية والاستسلامية·
وبدل ان تهتبل هذه الجماعات فرصة "الربيع العربي" الذي اوصل بعضها الى سدة الحكم العربي، لتطوير خطابها، وتجديد طروحاتها، واعتماد منطق التفاهم والتقاسم والمقاربة والمشاركة مع القوى والمذاهب والطوائف والتشكيلات الاخرى، لجأت الى عكس ذلك - بكل اسف - حيث عمدت بفعل الغرور الى احتكار السلطة، ومذهبة الخطاب، واستبعاد الآخرين، وحتى تخوينهم وتكفيرهم ومصادرة حقهم في المعارضة والانتقاد، بوصفهم يعارضون حكومات مؤمنة وسلطات مقدسة لا يأتيها الباطل من بين ايديها ولا من خلفها·
ورغم ان هذه المنظمات والجماعات المصابة بدوار الغرور، لا تسمع الا صوتها، ولا تقنع الا من لدن حلفائها، الا اننا نود ان ننصح لها بالابتعاد عن فقه التشدد والتفرد، وفكر الاحتكار والاستئثار، ومنطق الاستعلاء والمغالبة وتجاهل الآخرين·· ولعل نظرة عاجلة على تضاريس التاريخ العربي المعاصر، سوف تثبت ان كل القوى والاحزاب والتنظيمات التي تفردت بالحكم، واستحوذت على الشارع، وتنكرت للآخرين، قد خذلت نفسها قبل خذلان غيرها، واخفقت في تطبيق مشاريعها وتحقيق اهداف امتها، وبقيت كالمُنبتّ الذي لا ارضاً قطع، ولا ظهراً ابقى·
على مدى التاريخ الاسلامي، ظلت الاكثرية السنية تقود ركب التطور والتجديد، وتخرج الافذاذ من العلماء والفقهاء، وتحكم بالكثير من الوسطية والسماحة والعقلانية والاتزان، وتنفر من غوائل الشطط والغلو والتعالي والانتقاص من حقوق الاقليات·· وليس في صالحها اليوم ان تنقلب على تاريخها، او تفتئت على غيرها، او تستقوي بالاجنبي على ابناء دينها وامتها مهما كانت مذاهبهم ومشاربهم، بل مهما بلغت الخلافات السياسية والعقائدية بينها وبينهم·
وعليه، وفي عود على بدء، يمكننا القول ان المسيحية العربية التي دقت نواقيس اليقظة القومية قبل اكثر من قرن، وقدمت الكثير من العناء على دروب التقدم والتحرر والاستنهاض، قد اثبتت مجدداً هذا الاوان عمق مشاعرها الوطنية، وصدق اصالتها العروبية، وسعة افقها السياسي، وقوة بصيرتها الاستشرافية، وصوابية رهانها على امتها المشرقية، وليس الرهان - كما يفعل بعض الاسلاميين - على المحافل الغربية والاجنبية·
وليس من المستبعد ان تُلقى على عاتق المسيحية العربية جملة مهمات ريادية وتنويرية وتثقيفية بالغة الاهمية والجدية، ما دام الصف الاسلامي مشغولاً في الوقت الراهن باستحضار سيوف موقعة صفين، ومحاربة الفنون بمختلف انواعها، واخضاع العمل السياسي، ليس للابحاث والدراسات والنظريات العلمية والعصرية، بل للفتاوى الوهابية العجيبة التي تبيح ارضاع الكبير، ومضاجعة الزوجة الميتة، وتغطية وجوه التماثيل، ورفع الاذان في مجلس النواب، ومحالفة الناتو ضد الاخ العربي والمسلم، وممارسة التطبيع باسم الصلاة في الاقصى !!

حين يستعير الصباح مذاق القهوة

اداة القياس الاساسية لحياتي، هي ملاعق القهوة
                                                      (ت·س·اليوت)
الصباح ابتسامة عذبة مرسومة بتلاوين الفرح على شفتي النهار، واشراقة بهيجة قادمة في موكب الدلال من مهجة الشمس، وفنجان قهوة داكنة تختلط انفاسها بانفاس سيجارة مفعمة بالنيكوتين والمتعة·· فالقهوة افضل تأشيرة دخول الى عوالم النشاط، واجمل رخصة خروج من موانئ الكسل والنعاس·· ولهذا كان الممثل العالمي القدير والقديم، كلارك جيبل يقول : "ليس في مقدوري الضحك، قبل تناول فنجان القهوة"·
لولا فنجان قهوة يعطر تضاريس المزاج، وعصفور نشيط يغرد في فضاء الحرية، وقطرات ندى توشوش براعم الاشجار، ونسائم طرية تتجول في اروقة الوجود، لما اكتسب الصباح كل هذا البهاء، وامتلك كل هذه الشاعرية، واجتذب كل هذه الملايين من عشاقه، والمغرمين به، والمسبحين بجماله·
بين الصباح والقهوة علاقة حب مُعلن، وقصائد غزل وغرام متبادلة·· فللقهوة نشوة الصباح بقدر ما للصباح نكهة القهوة، وليس بين النشوة والنكهة سوى باقة شمس ناعمة، وقدح قهوة غزيرة البن ونحيلة السكر، وديوان شوق للبهجة والسعادة واعراس الحياة·· وكم صدق الاديب درو سيرتورس حين قال : "القهوة افضل صديق تستقبل بصحبته شروق الشمس"، فيما قالت هاري ماهتار : "انا انسق صباحاتي على انغام قهوتي"·
مبكرة تنهض القهوة من سباتها، وتستعد لاستقبال اصدقائها، فهي على موعد مع صياح الديك، واذان الفجر، وعناوين صحيفة طازجة، ورائحة خبز ساخن وضالع في ملاحقة الزيت والزعتر، وصبايا غادرن سكينة النوم للالتحاق مبكراً برجولة النهار، وهو ما يعيد سريعاً الى الذاكرة قصيدة "الديك يشرب القهوة" لساحر الشعر العربي الحديث، نزار قباني··
صوت الديك
مليء بالرجولة
ولذلك فان كل صبايا القرية
يتركن فراشهن المبلل بالاحلام
ليصنعن له قهوته الصباحية !!
شتان بين الشاي والقهوة·· فالشاي مشروب طيب المذاق ولكن يعوزه المضمون والمعنى، بينما القهوة قصيدة رومانسية تذيب ذاتها في فنجان انيق، وتقدم اوراق اعتمادها لاصحاب الكيف الراقي، وتجيد العزف على اوتار الحواس الخمس ومراكز الالمعية والذكاء، حيث تترك لنكهتها ان تدغدغ حاسة الذوق، ولرائحتها ان تهدهد حاسمة الشم، ولسمرتها ان تخطف حاسة البصر، ولهسيس غليانها ان يموسق حاسة السمع، ولقاموس معانيها وتجلياتها ان يحاور المدارك والاذهان·· وقديماً اشار الكاهن البريطاني سيدني سميث الى هذه الميزات والمواصفات الباذخة للقهوة، حين قال : "اذا رغبت في مضاعفة وعيك، فعليك بتناول القهوة، لانها مشروب ذكي"·
للعرب تاريخ طويل مع طقوس القهوة، واهتمام شديد باعدادها وتبهيرها وتعطيرها، فهي سمراء البادية التي تليق بتحية الضيف، وتمجيد السيف، وشعشعة الكيف·· وهي رفيقة الافراح والاتراح التي تنتقل برشاقة ما بين صالة عرس وصيوان عزاء·· وهي سيدة المجالس والمسامرات التي تترك للرجال ان يرتشفوها سادة بلا سكر، وللنساء ان يتعاطينها مشوبة ببعض التحلية، ربما تطبيقاً للقاعدة الاجتماعية التي تقول : "السادة للسادات، والحلوة للسيدات"·
ولان القهوة صديق يتميز بالانفة والكبرياء، فقد احتفظت لنفسها بمكانة رفيعة في قواميس العادات العشائرية، ونواميس الجاهات والعطوات والمصالحات والمخاصمات·· في حين تعاملت مع النساء على قدر عقولهن المحدودة، وهواجسهن الدائمة حول الحب والحسد والبغض والغيرة، فحولت نفسها الى "عرافة" ترسم خطوط الحظ ونقاط البخت، عبر ثفلها ورواسبها، على حواف الفناجين وجدرانها، لكي تتيح لهن متعة التسلية، ولعبة "قراءة الفنجان"·
على فكرة·· هل تذكرون رائعة نزار قباني العنوانها "قارئة الفنجان" ؟؟ وهل ما زلتم تترنمون مع عبد الحليم حافظ بعذوبتها وروعتها؟؟ ام انكم قانعون وهانئون بما يتفتق من عبقريات هيفاء وهبي ونانسي عجرم ؟؟
قبل مسافة زمنية طويلة من تنغيم "قارئة الفنجان" على اوتار عبد الحليم، كانت المطربة - المعجزة اسمهان قد سكبت كل الشدو الابداعي في اغنية "يا مين يقولي اهوى·· اسقيه بايدي قهوة"، فيما صدحت فاتنة الربابة، سميرة توفيق التي نشرت الالحان الاردنية على الحبال الصوتية اللبنانية، بمعزوفة "بالله تصبوا هالقهوة، وزيدوها هيل"·
قبل ان تتناهى الى مسامعنا قصيدة محمود درويش عن "خبز امه وقهوة امه" بزمن طويل، كنا نتسابق خلال ربيع طفولتنا النابتة في ربوع فلسطين، على القاء "انشودة القهوة"، وتلاوتها مراراً وتكراراً في حضرة الآباء والامهات وضيوفهم، باعتبارها برهاناً على انتمائنا للمدارس الابتدائية، ودليلاً على نباهتنا وحسن استفادتنا من التعليم··
انا المحبوبةُ السمرا            واُجلى في الفناجينِ
وعودُ الهندِ لي عطرٌ           وذكري شاع في الصينِ

بعد الالقاء يندلع تصفيق حاد من الحضور المعجبين، او المتظاهرين بالاعجاب، ثم لا يخلو الامر من وضع احدهم يده في جيبه، ليخرج منها قرشاً برونزي اللون، ويقدمه على سبيل المكافأة التشجيعية للمنشد الذي لا يتوانى عن الانطلاق بسرعة البرق الى الدكان القريب الحافل بما لذ وطاب من الفستق والقظامه والحلاوة والحلقوم او الراحة، وباقي ملذات ذلك الزمان الحافل بالبساطة حد السذاجة، والقناعة حد الطمأنينة·
وعليه·· ليس المهم اصل القهوة وفصلها، وفيما اذا كان راعي الغنم الذي اكتشفها قديماً يمنياً او حبشياً·· المهم انها قد وضعت العالم تحت سلطانها، وتشكلت ضمن صيغ ووصفات ارضت جميع الاذواق، والتزمت جادة الفكر الديموقراطي والاشتراكي الذي اتاحها للفقراء قبل الاغنياء، وللعلماء والاغبياء على حد سواء·· وها هو عبقري النظرية النسبية، البرت اينشتاين يقول : "ليس عالم الرياضيات سوى جهاز يحول القهوة الى نظريات" !!



Copyrights © 2003 - 2011 Almajd Newspaper
Developed by: Enterprise Solutions